أثار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجدل بتصريحات حول مستقبل صناعة السيارات العالمية، بعدما توقع أن يقود الجميع سيارات صينية خلال الفترة المقبلة، في ظل ما وصفه بالأزمة العميقة التي تواجه صناعة السيارات الأوروبية، وإغلاق عدد من المصانع التابعة لشركات كبرى.
وجاءت تصريحات بوتين خلال مشاركته في الجلسة العامة لمنتدى فالداي الدولي، يوم 1 أكتوبر 2026، إذ تحدث عن تنامي حضور السيارات الصينية في الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أنها تجمع بين الأسعار المنخفضة والجودة، دون أن يحسم ما إذا كان هذا التحول أمرًا إيجابيًا أم سلبيًا.
بوتين: مصانع السيارات الأوروبية تغلق أبوابها.. والصينية تواصل التوسع
قال بوتين خلال الجلسة: «صناعة السيارات الأوروبية، أين هي الآن؟ إنها تمر بأزمة عميقة، والمصانع تغلق أبوابها. قريبًا سنقود جميعًا سيارات صينية. هل هذا أمر جيد أم سيئ؟ لا أعلم، لكنها رخيصة وعالية الجودة».
وأضاف الرئيس الروسي أن السيارات الصينية أصبحت بالفعل جزءًا أساسيًا من سوق السيارات في روسيا، في إشارة إلى التحول الذي شهدته السوق الروسية خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع وجود عدد من العلامات التجارية الأوروبية واليابانية والأمريكية.
وتعكس تصريحات بوتين وجهة نظره بشأن التغيرات التي يشهدها قطاع السيارات العالمي، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع المصانع الأوروبية تواجه خطر الإغلاق، أو أن السيارات الصينية ستسيطر بالكامل على الأسواق العالمية خلال فترة قصيرة.
لماذا تواجه صناعة السيارات الأوروبية ضغوطًا متزايدة؟
تواجه شركات السيارات الأوروبية مجموعة من التحديات، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، والتحول إلى السيارات الكهربائية، والمنافسة المتزايدة من الشركات الصينية، إلى جانب تباطؤ الطلب في بعض الأسواق.
كما فرض التحول نحو السيارات الكهربائية استثمارات ضخمة على الشركات الأوروبية، سواء في تطوير منصات جديدة أو تحديث المصانع أو بناء سلاسل إمداد للبطاريات، وهو ما يزيد الضغوط المالية في ظل المنافسة على تقديم سيارات بأسعار تنافسية.
وتواجه الشركات الأوروبية أيضًا تحديات في السوق الصينية، التي كانت لسنوات طويلة من أهم أسواق النمو والأرباح للعديد من العلامات التجارية، مع توسع الشركات المحلية الصينية وتقديمها سيارات كهربائية وتقنيات متطورة بأسعار تنافسية.
وفي المقابل، لا تزال شركات أوروبية كبرى تعمل على تطوير طرازات جديدة وتوسيع حضورها في قطاع السيارات الكهربائية والهجينة، كما تتجه بعض الشركات إلى إعادة هيكلة عملياتها ومراجعة استراتيجياتها الإنتاجية لمواكبة التغيرات في السوق.
السيارات الصينية تقترب من قلب السوق الأوروبية
لم يعد توسع شركات السيارات الصينية مقتصرًا على الأسواق الآسيوية أو الناشئة، إذ تسعى علامات مثل BYD وجيلي وشيري وSAIC الي زيادة حصتها في أوروبا، مستفيدة من تنوع طرازاتها، وتطور تقنيات السيارات الكهربائية، والأسعار التنافسية.
وبحسب بيانات نقلتها وكالة رويترز في يونيو 2026، وصلت حصة BYD إلى نحو 2.2% من إجمالي تسجيلات السيارات في أوروبا والمملكة المتحدة ودول رابطة التجارة الحرة الأوروبية خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، بينما بلغت حصة جيلي نحو 2.5%، وشيري نحو 2%.
ولا تقتصر استراتيجية الشركات الصينية على تصدير السيارات إلى أوروبا، إذ تتجه بعض العلامات إلى التصنيع المحلي أو التعاون مع شركات أوروبية، في محاولة لتعزيز وجودها وتقليل تأثير الرسوم الجمركية وتحديات سلاسل الإمداد.
وتعمل شركات مثل شيري على خطط إنتاج في إسبانيا، بينما تدرس شركات صينية أخرى الاستفادة من المصانع الأوروبية القائمة أو إقامة شراكات إنتاجية جديدة.
روسيا.. نموذج واضح لتوسع السيارات الصينية بعد انسحاب الشركات الغربية
تُعد السوق الروسية من أبرز الأمثلة على التحولات التي تحدث عنها بوتين، بعدما تراجعت أنشطة عدد كبير من شركات السيارات الغربية في روسيا عقب الحرب الروسية الأوكرانية والعقوبات التي أعقبتها.
ومع خروج شركات مثل رينو ونيسان ومرسيدس وغيرها من السوق الروسية، توسعت العلامات الصينية في سد جزء من الفراغ، سواء عبر استيراد السيارات الجاهزة أو استخدام المصانع المحلية لإنتاج طرازات صينية تحت أسماء مختلفة.
ووفقًا لتحقيق سابق لوكالة رويترز نُشر في يوليو 2023، بدأت عدة مصانع روسية كانت مملوكة لشركات غربية في إنتاج سيارات صينية أو التخطيط لذلك، مع تقديرات بأن الطاقة الإنتاجية السنوية للمصانع الستة التي تناولها التحقيق تصل إلى نحو 600 ألف سيارة.
لكن هذا التوسع لا يعني بالضرورة أن روسيا أصبحت مستقلة في صناعة السيارات، إذ تعتمد بعض عمليات الإنتاج المحلي على استيراد مجموعات التجميع والمكونات من الصين، وهو ما يطرح تساؤلات حول حجم القيمة المضافة المحلية ومدى تطور سلاسل التوريد الروسية.
هل تتحول السيارات الصينية إلى القوة الأكبر عالميًا؟
يعكس صعود شركات السيارات الصينية تغيرًا واضحًا في موازين المنافسة العالمية، خاصة مع توسع إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة، والاستثمار في البطاريات والتقنيات الرقمية، إلى جانب القدرة على تقديم طرازات بأسعار تنافسية.
لكن الوصول إلى صدارة الأسواق العالمية لا يعتمد فقط على الأسعار أو حجم الإنتاج، إذ تلعب عوامل أخرى دورًا مهمًا، من بينها شبكات التوزيع وخدمات ما بعد البيع، والاعتمادية على المدى الطويل، والالتزام بمعايير السلامة والانبعاثات، وقدرة الشركات على بناء ثقة المستهلكين في الأسواق المختلفة.
كما أن توسع السيارات الصينية في أوروبا يواجه تحديات مرتبطة بالرسوم الجمركية والسياسات التجارية، فضلًا عن المنافسة من الشركات الأوروبية التي لا تزال تمتلك خبرات طويلة وقواعد إنتاجية وشبكات خدمة واسعة.
وبينما يرى بوتين أن السيارات الصينية تجمع بين السعر المنخفض والجودة، يبقى مستقبل صناعة السيارات العالمية مرتبطًا بقدرة الشركات المختلفة على التكيف مع التحولات التكنولوجية والتجارية، وليس فقط بتوسع علامة أو دولة بعينها.