حرب ايران والولايات المتحدة تهدد صناعة السيارات عالميا - هل نقترب من موجة غلاء جديدة؟
إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20% من صادرات النفط العالمية، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والشحن خلال أسابيع قليلة، ما ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج السيارات وأسعار بيعها في الأسواق العالمية.
لا يخفى على أحد أن الأيام القليلة الماضية حملت تطورات تُعد من أخطر وأعقد الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، وذلك بعد الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تبعها من تصعيد غير مسبوق.
هذا التصعيد تسبب في إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره أكثر من 20% من صادرات النفط العالمية. ومع توقف هذا الشريان الحيوي، بدأت ملامح أزمة عالمية تتشكل، يُتوقع أن تمتد آثارها إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع السيارات، الذي يعتمد بشكل مباشر على الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي السطور التالية نستعرض التأثيرات المحتملة بالأرقام والتحليل.
تأثير ارتفاع أسعار النفط على صناعة السيارات
بالنسبة لمصنّعي السيارات، فإن آلية انتقال الأزمة واضحة، لكن تبعاتها قد تكون واسعة النطاق. فتكاليف الطاقة تمثل نسبة كبيرة من إجمالي مصروفات الإنتاج في صناعة السيارات.
عملية تصنيع السيارة تبدأ من مصانع الصلب ومصاهر الألمنيوم التي تغذي خطوط الكبس والتشكيل حول العالم، وهي من أكثر المنشآت الصناعية استهلاكًا للطاقة. كما تستهلك ورش الطلاء، ومكابس هياكل السيارات، وعمليات تشغيل مكونات منظومات الدفع كميات ضخمة من الكهرباء والغاز.
وعندما ترتفع تكلفة الطاقة بشكل حاد، لا يتأخر التأثير طويلًا، بل ينتقل سريعًا عبر سلاسل الإمداد خلال أسابيع قليلة، وليس شهورًا، لينعكس في النهاية على تكلفة الإنتاج وأسعار البيع.
ارتفاع أسعار المواد المستخدمة في صناعة السيارات
تحتوي السيارة الحديثة في المتوسط على ما بين 150 إلى 200 كيلوجرام من المكونات البلاستيكية، تشمل لوحات العدادات، وفرش الأبواب، والصدامات، وضفائر الأسلاك، والجوانات، وأنظمة السوائل، بالإضافة إلى المطاط المستخدم في صناعة الإطارات.
جميع هذه المكونات تعتمد تقريبًا بشكل كامل على مشتقات بتروكيماوية. المواد الأولية مثل الإيثيلين والبروبيلين والبولي بروبيلين يتم إنتاجها من سوائل الغاز الطبيعي ومشتقات النفط، ويتم تسعيرها وفقًا لمؤشرات النفط الخام.
ومع تعطل طرق الشحن وارتفاع أسعار النفط، تتزايد التوقعات بارتفاع أسعار هذه المواد بنسبة قد تصل إلى 25% في حال استمرار الأزمة، وهو ما يعني مليارات الدولارات كتكاليف إضافية لشركات تنتج مئات الآلاف من السيارات سنويًا.
تعطل سلاسل الإمداد بسبب إغلاق مضيق هرمز
بعد أقل من أربعة أيام على بداية الأزمة، ووفقًا لتقارير وكالة رويترز، هناك أكثر من 170 سفينة شحن ضخمة متوقفة في محيط مضيق هرمز، تحمل ما يقارب نصف مليون حاوية تضم منتجات ومواد خام وقطع غيار لمختلف الصناعات.
ووفقًا لماركو فورجيوني، المدير العام لمعهد التصدير والتجارة الدولية، فإن إغلاق المضيق سيؤدي إلى توقف شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال، كما سيتم تحويل باقي الشحنات إلى مسارات بديلة أعلى تكلفة، ما سيضغط على توافر المكونات وقطع الغيار ويؤدي إلى ارتفاع أسعارها.
وأشار أيضًا إلى أنه حتى في حال توقف الأزمة قريبًا، فإن سلاسل الإمداد قد تحتاج إلى عدة أشهر للتعافي الكامل، وربما يمتد التأثير إلى بداية النصف الثاني من العام.
أزمات في أهم موانئ الخليج
امتدت تداعيات الأزمة إلى عدد من الموانئ الحيوية في منطقة الخليج. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، شهد ميناء جبل علي – أحد أهم مراكز توزيع السيارات وقطع الغيار في الشرق الأوسط وجنوب آسيا – اضطرابًا مؤقتًا بعد سقوط حطام ناتج عن عملية اعتراض صاروخي.
كما تم إيقاف العمل في ميناء الشعيبة بالكويت، إلى جانب قرارات مماثلة في قطر والبحرين، ما يزيد من تعقيد المشهد اللوجستي في المنطقة.
تأثير الأزمة على صناعة السيارات في الصين واليابان وكوريا
بعد توضيح أهمية النفط وسلاسل الإمداد لصناعة السيارات، يبرز السؤال الأهم: هل ستتأثر الصين واليابان وكوريا؟
اليابان تستورد نحو 90% من احتياجاتها من النفط، وتمر نسبة كبيرة منه عبر مضيق هرمز، ما يعني ضغوطًا مباشرة على إنتاج شركات كبرى مثل تويوتا وهوندا ونيسان.
كوريا الجنوبية تستورد حوالي 70% من احتياجاتها النفطية من دول الخليج، وهو ما قد يضع ضغطًا إضافيًا على شركات مثل هيونداي وكيا.
أما الصين، فمن المتوقع أن تتحمل التأثير الأكبر، إذ يمر أكثر من 80% من النفط المتجه إلى الأسواق الآسيوية عبر مضيق هرمز. كما أن صناعة السيارات الكهربائية والهجينة تعتمد على سلاسل إمداد أكثر تعقيدًا ومواد خام مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والمنغنيز، وهي مواد تتحرك أسعارها بالتوازي مع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن.
تأثير إضافي على صناعة تعاني بالفعل
صناعة السيارات لم تكن تمر بأفضل فتراتها خلال العامين الماضيين، خاصة مع تراجع الطلب على العديد من العلامات الأوروبية والأمريكية، وانخفاض الإقبال على السيارات الكهربائية بالكامل في بعض الأسواق.
هذا الوضع وضع العديد من الشركات تحت ضغط مالي كبير، ودفع بعضها إلى إغلاق مصانع أو تقليص العمالة وتأجيل استثمارات جديدة.
الخلاصة
إذا توقفت الحرب بين إيران والولايات المتحدة في وقت قريب، فمن المرجح أن يكون التأثير السلبي محدودًا نسبيًا، لكنه سينعكس على الأسعار وتوافر السيارات وقطع الغيار، حتى وإن كان بشكل جزئي.
أما في حال استمرار التصعيد لعدة أشهر، فقد نكون أمام أزمة أوسع وأكثر تعقيدًا، قد تعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية وتفرض واقعًا جديدًا على صناعة السيارات خلال الفترة المقبلة.